ابن ميمون

191

دلالة الحائرين

كذلك في الوجود بأسره أنواع مقصودة من التكون ثابتة جارية على نظام لا تفاوت فيها إلا يسيرا « 2073 » بقدر عرض ذلك النوع في كيفه ، وكمّه ، وأنواع غير مقصودة بل لزمت لطبيعة الكون والفساد العامّ ، مثل أنواع الدود المتولدة من الأزبال ، وأنواع الحيوانات المتولدة في الفواكه إذا عفنت ، وما يتولد عن عفن الرطوبات والدود المتولد في الأمعاء ونحوه . وبالجملة يبدو لي ان كل ما لا توجد فيه قوة توليد لمثله فهو من هذا القبيل ، ولذلك لا تجدها تحرز نظاما وإن كان لا بدّ منها ، كما لا بد من ألوان مختلفة ، ولا بدّ من أنواع الشعر في اشخاص الانسان . وكما أن الانسان أجسام اشخاصها ثابتة كالأعضاء الأصلية وأجسام ثابتة بالنوع لا بالشخص ، كالأخلاط الأربعة . كذلك في الوجود بجملة أجسام ثابتة باقية بالشخص وهو الجسم الخامس بجميع أجزائه وأجسام باقية بالنوع ، كالاسطقسات وما تركّب منها . وكما أن قوى الإنسان الموجبة لتكوّنه وبقائه مدة بقائه هي بعينها الموجبة لفساده وتلافه . كذلك أسباب الكون هي بعينها أسباب الفساد في جميع عالم الكون والفساد ، مثاله / أن هذه الأربع قوى الموجودة في بدن كل مغتذ ، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة ، لو أمكن أن تكون هذه القوى كالقوى العقلية حتى لا تفعل ، إلا ما ينبغي وفي الوقت الّذي ينبغي ، وبالقدر الّذي ينبغي ، لكان الإنسان سيسلم من آفات عظيمة جدا ، وأمراض عدة ؛ لكنه لما لم يمكن ذلك ، بل كانت تفعل أفعالا طبيعية ، من غير فكرة ولا روية ، ولا تدرك ما تفعله بوجه ، لزم أن تحدث من أجلها أمراض عظيمة وآفات وإن كانت هي الآلة في تكوّن الحيوان وفي بقائه المدة التي يبقى . وبيان ذلك أن القوة الجاذبة مثلا لو كانت لا تجذب إلا الشيء الموافق من جميع جهاته وقدر المحتاج إليه فقط لسلم الإنسان من أمراض وآفات كثيرة لكنه لما لم يكن الأمر كذلك ، بل تجذب اى مادة اتّفقت من جنس جذبها . وإن كانت تلك المادة منحرفة قليلا في كمها وكيفها ، لزم

--> ( 2073 ) يسيرا : ج ، يسير : ت